أبي حيان الأندلسي
608
البحر المحيط في التفسير
وتقدّم الكلام على لفظة : اللّه ، وعلى قوله : لا إله إلا هو ، فأغنى عن إعادته . الحي : وصف وفعله حيي ، قيل : وأصله : حيو ، فقلبت الواو ياء لكسرة ما قبلها ، وأدغمت في الياء ، وقيل : أصله فيعل ، فخفف كميت في ميت ، ولين في لين ، وهو وصف لمن قامت به الحياة ، وهو بالنسبة إلى اللّه تعالى من صفات الذات حي بحياة لم تزل ولا تزول ، وفسر هنا بالباقي ، قالوا : كما في قول لبيد : فاما تريني اليوم أصبحت سالما * فلست بأحيا من كلاب وجعفر أي : فلست بأبقى ، وحكى الطبري عن قوم أنه ، يقال : حي كما وصف نفسه ، ويسلم ذلك دون أن ينظر فيه ، وحكي أيضا عن قوم : أنه حي لا بحياة ، وهو قول المعتزلة ، ولذلك قال الزمخشري : الحي الباقي الذي لا سبيل للفناء عليه ، وهو على اصطلاح المتكلمين الذي يصح أن يعلم ويقدر . انتهى كلامه ، وعنى بالمتكلمين متكلمي مذهبه ، والكلام على وصف اللّه بالحياة مذكور في كتب أصول الدين . وقرأ الجمهور : القيوم ، على وزن فيعول ، أصله قيووم اجتمعت الياء والواو ، وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت فيها الياء وقرأ ابن مسعود ، وابن عمر ، وعلقمة ، والنخعي والأعمش : القيام وقرأ علقمة أيضا : القيم ، كما تقول : ديور وديّار وقال أمية : لم تخلق السماء والنجوم * والشمس معها قمر يعوم قدرها المهيمن القيّوم * والحشر والجنة والنعيم إلّا لأمر شأنه عظيم ومعناه : أنه قائم على كل شيء بما يجب له ، بهذا فسره مجاهد ، والربيع ، والضحاك . وقال ابن جبير : الدائم الوجود . وقال ابن عباس : الذي لا يزول ولا يحول ، وقال قتادة : القائم بتدبير خلقه . وقال الحسن : القائم على كل نفس بما كسبت . وقيل : العالم بالأمور ، من قولهم : فلان يقوم بهذا الكتاب أي : يعلم ما فيه . وقيل : هو مأخوذ من الاستقامة وقال أبو روق : الذي لا يبلى . وقال الزمخشري : الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظه . وهذه الأقوال تقارب بعضها بعضا . وقالوا : فيعول ، من صيغ المبالغة ، وجوّزوا رفع الحي على أنه صفة للمبتدأ الذي هو : اللّه ، أو على أنه خبر بعد خبر ، أو على أنه بدل من : هو ، أو من : اللّه تعالى ، أو : على